لم يعد ممكنا أن يمر يوم من
أيامنا دون الحديث عن حوادث السير وما تخلفه من قتلى وجرحى ومعطوبين وعاهات ...
وصار تداول الخبر في وسائل إعلامنا السمعية والمرئية الورقية والإليكترونية لا
يختلف عن تداول الأخبار الاقتصادية والسياسية والثقافية والرياضية وأحوال الطقس ، كما أصبحنا نشد على
قلوبنا في انتظار نهاية نشرة الأخبار تحسبا لسماع ألفاظ القتل... خاصة حينما نسمع حديثا عن طريق له " تاريخ
" في حوادث السير ، فما أغرب أن
نتعلم جغرافية بلادنا من دروس صفحاتها مكتوبة بدماء القتل والحوادث !!
فعدما عانينا لمدة عقود- وما
زلنا نعاني- من الوصلات الإشهارية المقززة ، وبرامج " الخردة " و "
البال " التي تُحصَى حلقات مسلسلاتها بالسنة الضوئية ، وفقرات الطبخ و"الرفيسة"
والطاجين والسردين ، وفنون التجميل وفضاء الأسرة ، و برنامج " النزاع الأبيض "
و"جرائم المسرح " في مداولات " و"القفطان المجنون" و" تلوين الجفون" ومهرجان الضحك ... ها نحن اليوم أمام شاشات "زوًّرت"
كل ألوان قزح إلا لون الدم .
لم تندمل جراح فاجعة تيشكا حتى فاجأتنا فواجع فيضانات الجنوب ، ولم
تجف بعد دموعنا حتى صفعتنا كارثة طانطان ...وبينهما رحل الرجلان السياسيان الزايدي
وباها ، وحينها لاحظ المغاربة جميعا أن دموع البكاء هي الأخرى تخضع للسلم الإداري
، وأن أبناء الوطن ليسوا في كفة واحدة سواء أكانوا أمواتا أم أحياء !! لكن من
واجبنا ألا نقول إلا ما يرضي ربنا في مثل هذه الفواجع سائلين العلي القدير اللطف
في أقداره...وستستمر الحياة مادامت الأرض تدور...
وأما المثير للتساؤل أنه ، وبعد
كل " ضربة " ، نسمع كلاما " غريبا " عن شيء هو أشبه بما
تحتويه العلبة السوداء ، و الذي يترجم عندنا باللغة العربية الفصحى هكذا : "
سنفتح تحقيقا لمعرفة أسباب الحادث! " ولا ندري عن أي حادث يتحدث الشريط
؟ فالحوادث ، في بلادنا ، كثيرة والأسباب مختلفة ومتنوعة ،
منها ماينزل من السماء ، ومنها ما يخرج من تحت الأرض، أو ما يطوي العمارات طي
السجل ، وما يغرق تحت القناطر ، وما تشقق منه الصوامع ، وما يتمدد عبر الطريق
السيار ، أو يتلوى عبر الطريق القتال !
كما أن كثيرا من المسؤولين
بارعون في التعتيم الذي يجملونه في قولهم البائس : " كلنا مسؤولون " ،
وهي عبارة يجب أن تدفن ، في قبر النسيان بالربع الخالي ، قبل دفن الضحايا في مقابر الشهداء، وتجتث من
قواميس التعليم والسياسة والثقافة والمجتمع المدني ، لأننا بهذا القول نتهم كل
المغاربة ، والحق أن المسؤولية واضحة ، وهي لصيقة ، شرعا ، بمرتكبي " الجريمة " ، وإلا
فلماذا يصدر القاضي حكما على المجرم إذا كنا جميعا مسؤولين عن الجريمة ، فإما أننا
نستثني القاضي من المغاربة ، فيصبح تصحيح العبارة واجبا علينا فنقول: " كلنا مسؤولون إلا
القاضي " ، أو أن القاضي يحكم على نفسه
مع وقف التنفيذ !!..ويبرئ باقي المغاربة لأسباب لا نعرفها، وهذا القول
العائم في الضباب يؤدي حتما إلى خلط
الأوراق والحابل بالنابل تمهيدا للتملص من المسؤولية بالتدريج ، ومن غرائب ما ينتج
عن قولنا " كلنا مسؤولون " أن بائع " جافيل" المتجول سألني مرة قائلا : هل أنا كذلك مسؤول
عن صندوق المقاصة و أزمة التقاعد والتعليم
؟
لا شك أننا أمام إشكالية
معقدة ، فالتخفيف من حوادث السير أملا في الحد منها ليس بالأمر الهين ، ولكن
التعميم والتعويم يزيد الوضع تعقيدا، ولذلك وجب على المسؤولين إصلاح الطرق
بالتوسيع لا بالترقيع ، وإحصاء عدد السيارات والعربات والدراجات – وهذه
بالمناسبة فقرة مهمة من عملية إحصاء
السكان- كما تجب ملاءمة الطرق لعدد العابرين ، و مراقبة الفحص التقني بصرامة لا
تستثني فلانا ولا أبناءه، ولا بوعزة ولا داره !! ، وبعدما ننجح في تعميم بنية
تحتية عبر ربوع الوطن نطبق القانون على الجميع ونقول حينها: إننا ، فعلا ، " كلنا مسؤولون " أمام القانون ،
وتتحقق ، بفضل ذلك ، قاعدة " كل راع مسؤول عن رعيته".
إن من يتلقى الرشاوي ليمنح
رخص السياقة لمن لا يستحقها ، والذي يغش في تعليم المقبلين على العمل بهذه الرخصة لا يختلفان عمن يصنع
السيوف ويبيعها للمجرمين وهو يعلم أنهم
قطاع طرق وسالبو أموال المارة وحاجاتهم
... فلا فرق ، في هذه الحال ، بين رخصة السياقة ، ورخصة " السيافة " !!
لا أحد يستطيع أن ينكر العامل
البشري في الحوادث ، وذلك ، بكل بساطة، لأنها ليست من آثار الرعد ولا البرق ولا
الزلزال.وإنما هي " وصفة " بشرية بكل المقاييس، غير أن العامل البشري
يجب ألا يتوقف عند سائق العربة ، وإنما هناك عوامل بشرية قبله، فمهندس الطريق والساهرون
على إنجازه والمرخصون له و مهملو تتبع تآكله وصيانته ، واللامبالون بمراقبة السرعة
والراكبون الذين لا يحركون ساكنا لتنبيه السائق ، مثلا، إلى أنه يحمل بشرا حيا ،
لا بضائع مهربة أو حيوانات مدربة ، وأنه بهذه السرعة يعرضهم ونفسه إلى التهلكة...كل
هؤلاء مسؤولون ، كل في موقعه و وفق درجة سلطته وأثره في كمال مشروع الحياة
الكريمة.
لكن ، من سيراقب هؤلاء وأولئك
ويحاسبهم ؟ إنهم أشبه بالأشباح أو الكائنات الغريبة التي نجدها في كل مكان ولا
تستقر في أي مكان ! هي موجودة في الإعلام والجمعيات والبرلمان والحكومة والمطارات
وأثناء توقيع الاتفاقيات وخلال الانتخابات ، لكنها آخر من يحضر حين تحصل
الكوارث لتقول ، أمام الكاميرا، بكل بساطة
: (" كلنا مسؤولون "... وسننتظر نتائج التحقيق ... ويبدو أن العامل بشري
)... ثم يتحاشون السؤال الذي لا يريدون الرد عليه وهو : من هم المسؤولون عن "
البشر" ؟ و هل من قانون يحاسب هذا
" البشر" ؟
يبدو أننا محاصرون بحوادث أخرى أخطر من حوادث السير ....
إنها حوادث التسيير ! فلننظر إلى مدارسنا وأسواقنا و ملاعبنا ومحطاتنا ومستشفياتنا
ومطاراتنا وأحيائنا وجماعاتنا الحضرية والقروية ... ونتساءل عن مستوى الخدمات التي
يقدمها هؤلاء الموظفون لإخوانهم المواطنين في المدينة أو الحي أو الجهة...ونبحث عن
سر الاستهتار ، واللامبالاة التي " يفتخر " بها بعض من أسندت إليهم مهمة التسيير ... ونلاحظ
كيف يحتقر الناس بعضهم بعضا على أساس اللباس أو السيارة أو "الانتماء
الجغرافي" ، أو الطبقي...
فلننظر أيضا إلى مدارسنا
ومحيطها حيث يتصور المار من أمامها أن الدروس الفعلية تعطى أمام المؤسسات لا في
داخلها... وكيف أن الهرج والمرج والتهديد والسب والخطف والسكاكين والسيوف والتجارة
المشبوهة باتت أحداثا عادية ، داخل المؤسسات التعليمية وخارجها ، وعلى امتداد أسوارها ، وصار الهدوء والاحترام والتحصيل استثناء
شاذا... كل هذا أمام أنظار المسؤولين ...
ولا أحد قال القولة المشهورة : " كلنا مسؤولون". وكأن المسؤولية في القاموس المغربي "
فيتو" يلوحون به متى كان لصالحهم ...
فهل هؤلاء هم أيضا أبناء
الوطن الذين سيصبحون مسؤولين في مجال التسيير ؟ وهل أعددناهم لتحمل المسؤولية
والاستجابة لنداء الوطن ؟
إننا نخشى أن يكون للجواب عن هذه التساؤلات
علاقة ما بقوارب الموت التي لا تختلف كثيرا عن حوادث السير.
حـــســـن بـرنـي زعــيــم

No comments:
Post a Comment